الزاوية الهلالية | وشيخ مسعود خياطة

كان أبي قد قرر يوماً بالتشاور مع أمي أن يأخذني إلى ذلك المكان البعيد، الذي كنت أتحرق للذهاب إليه يوماً ما، فقد كان أبي أطال الله عمره يذهب اليه كل يوم جمعة بعد صلاة العصر، في ذلك اليومي الربيعي وبعد المشاورات مع أمي، قالت له سيذهب ويجلس بجوارك، وسيعدك بأن لا يتحرك، أو يشاغب أبداً بل سيجلس ويستمع الذكر فقط، وبعد أن أخذا علي العهود والمواثيق وأعطيته الأيمان والعقود بأن أبقى هادئ أو أن لا أفتعل المشاكل ولا أشاغب، أخذني معه.

بدأنا يومها المشي من بيتنا حتى وصلنا إلى منطقة في حلب القديمة تدعى "خراق الجلوم" وأبي يشرح لي عنها، ويقول هون كان جدك يعمل كذا، من هون مر عمك فلان، والتقى مع فولان، وأنا ألحق بأبي وهي يمشي مسرعاً كعادته، وأنا ألحق به مهرولا، حتى وصلنا إلى شارع داخلي، عليه لوحة تحمل اسم الشارع، وقف عندها أبي وقال لي، إقرأ، مالذي كتب هنا، لك أن تتخيل وأنا اقفز حتى أصل إلى اللوحة، وأقفز وأقفز وفي كل مرة أقرأ منها حرف أو حرفين، حتى أتممتها فإذا بها قد كتب عليها: "شارع عربي كاتبي" أذكر تلك اللحظة جيداً ولا أنسى ابد شعور الفخر والحماس الذي تملكني أن يكون اسم عائلتي قد سمي به شارع في حلب القديمة تيمناً بأحد أفرادها. صك اسم الشارع ذلك في عقلي كما شكل أصلا لم يفارقني بعدها أبداً، وفتح علي باب تساؤلات كبير مالذي فعله حتى استحق أن يسمى الشارع باسمه؟

وصلنا إلى سور له بابا حديدي قديم، سم الله أبي ثم دخل فإذا به يقف عند قبور في ساحة المسجد الخارجي، أحسبها ثلاث، كانت قد وضعت خارج المسجد على عادة السلف أن لا توضع القبور داخل المساجد، قرأ أبي الفاتحة على القبور فقرأت كما فعل، ثم أحسبي سألته عن صاحبها ولم أعد أذكر لمن كانت

انطلق بعدها أبي إلى باب صغير بجاور باب زجاجي كبير ذي قناطر، فدخل باب الزاوية الهلالية الصغير - يكون على اليد اليمنى - فبدأ بنزع نعليه هرعت لأحملها عنه فأبى على عادته وحملت نعلي بيدي اليسرى - كان لذلك المكان قدسية ما تدفعك لاستحضار والتزام كل ما تحفظه من توجيهات الرسول عليه الصلاة والسلام، صغر المكان واستغلال كل زاوية فيه وامتلاؤه بالتفاصيل، فزرعة هنا، ومشرقية هناك، ومصباح هنا، وعليّة هناك كانت تحفزني لاستشعر التواضع وصغر حجمي مقارنة بالعالم الواسع وأنا أخطو أولى خطواتي برجلي اليمنى من ذلك الباب الصغير المتواضع، لتنخفض إنارة المكان، فما أن تعتاد عناك على الظلمة حتى ترى تلك المصابيح الزيتية مدلاة من السقف، ثم عندما تخطو الخطوة التالية تشعر ببرودة المكان مع كل خطوة تخطوها نحوى مصلى صغير ذي محراب خشبي صغيراً أيضاً في صدر الغرفة، فإذا رأيت مجموعة من الناس يصلون العصر تنضم إليهم، أو أنك تصلي العصر بمفردك ليلحق من تأخر مثلك وينضم إليك في الصلاة.

وقف أبي أطال الله عمره في المحراب الصغير ليصلي، ووقفت خلفه، كانت صلاة العصر تلك من أغرب الصلوات التي يمكن أن تصليها في حياتك - غفر الله لنا جميعاً - فبينما أنا أصلي صلاة العصر تلك، رأيت على يساري باب أصغر من الباب الأول يقع خلفه العالم السحري الذي كنت أتشوق للدخول له، غير أن معرفتي أني في الصلاة وأن أبي كان هو الإمام ويجب علي الإلتزام بالوقار المطلوب في أداء الصلاة والوقوف بين يدي الله عز وجل كان يمنعني كل مرة من قطع الصلاة، وتلبية رغبة فضولي العارم لأجتاز ذلك الباب، أذكرني وأنا أنظر من طرفي الأيسر نحو ذلك الباب، كلما دخله أحد القادمين أمثالنا من الذين صلو العصر حاضرا، للحظة صرت ألوم نفسي على عدم صلاة العصر على وقتها 😀 فلو كنت فعلت لكنت دخلت دون انتظار صلاتها هنا.

كان كلما جاء أحد من الذين صلوا العصر حاضراً، يبدأ بفتح ذلك الباب بهدوء فإذا فتحه انفجرت من خلفه صيحات الذاكرين: "الله، الله، الله، يا حي، يا قيوم، الله، الله" لم تكن تلك الصيحات تخرج من الباب، لا كانت تنفجر عند فتحه لتملأ أركان المكان، ثم تنقطع تلك التهليلات وذلك التسلسل من التحميد والذكر عندما يغلقه الداخل، وأنا لازلت في الركوع خلف والدي، وأبي مازال في ركعته الأولى، وصرت حين يسجد أبي أسبقه في السجود لعل ذلك ينهي الصلاة أسرع 😀 إنتهى أبي من الصلاة وأنا على أحر من الجمر لفتح ذلك الباب، إلا أن أبي كعادته يجب أن يأخذ ورده بعد الصلاة، لك أن تتخيل رقبتي المدلاة نحو اليسار وعيني التي تريد أن ترى أي شيء من داخل تلك الغرفة.

انتهى أبي من الصلاة، وقف فوقفت بسرعة خلفه، نظر إلي بنظرة جادة وقال لي إفعل ما أفعله تمام، واجلس حيث أجلس بجانبي، فقلت له نعم، إنطلق ابي نحو ذلك الباب أخيراً وأنا أمشي خلفه وعيني تطيشان في المكان أحاول أن احفظ كل تفاصيله، فتح أبي الباب وأنفجر الصوت من خلفه بذكر الذاكرين، فإذا هي غرفة مربعة، يقف على حوافها الذاكرون ويجلس في المنتصف بعض الذاكرين أيضاً، إنطلق أبي في ذلك الممر الضيق الذي تركه الذاكرون الجالسون بينهم وبين الواقفون حتى وصل إلى منتصف الغرفة من الجهة الجنوبية وإذا برجل كبير مهيب ذي لحية كثة بيضاء يقف بهدوء وسط تلك التهليلات، يضع يده يمنى على يديه اليسرى عرفت فوراً أنه كبير الذاكرين، وشيخ المكان، فعندما وصل أبي له تبسم قليلاً ورفع يده اليمنى ولمس بها يدى أبي اليمنى ولم يسمح له بسلام كامل، كان هذا أحد الأسئلة التي سألت عنها أبي فيما بعد فقال إنه الشيخ لا يحب أن يقبل أحد يده، ثم فعلت كما فعل أبي وجلست حيث جلس، لكن ذلك لم يبدو لي كافياً فعندما جلست نظر أبي ألي نظرت شذر مذر، عرفت فيما بعد أنني لم أغلق الباب عندما دخلت خلفي، لكنها مرت بسلام والحمد لله.

جلست بجانب أبي وأنا أطاول رقبتي حتى أرى واحفظ كل تفاصيل المكان، فكان مجموعة من المنشدين يجلسون أخر الصفوف يشكلون فيما بينهم شكل الهلال، وكان ذلك المنشد ذو القلنسوة البيضاء، وجسم الممتلئ يجلس حيث يصبح الشكل كاملاً وكأنه هلال ونجمة، قلب ذلك المنشد رحمه الله يده اليسر لتصبح راحته إلى الأسفل وشد خنصره دون جدوى فترى كل أصابعه مشدودة غيره ذلك الخنصر الذي بقي على شكل قوس, وأخذ يضرب بيده اليمنى على وجه يده اليسرى ليضبط ايقاع المنشدين بتلك الضربات، غير أنني اكتشفت أنه لا يضبط إيقاع المنشدين فقط بل إيقاع تهليلات الذاكرين أيضاً لكنه هنا يستخدم كلمة "يا مولاي" فكان الذاكرون يفهمون متى يرفعون أصواتهم ومتى يخفضونها وبأي مستوى مع كل لحن لصيحات يا مولاي.

انتهى الذكر وقال لي أبي سنسلم على الشيخ مسعود خياطة، عندما وصلنا أليه تفاجأت أنه هو نفسه ذلك المنشد الذي يشكل النجمة في ذلك الهلال من المنشدين، فرحت يومها مرة ثانية وشعرت بالفخر مرة أخرى، فأولا هناك شارع باسم عائلتنا وثانياً يتضح أن أبي يعرف ضابط إيقاع الذكر معرفة طويلة، أخبراني يومها أنهم دراسا معاً وأنهما أصدقاء من قبل أن اعرف ابي.

كانت تلك قصة تعرفي به رحمه الله، وأطال الله بعمر أبي، رحمك الله ياشيخ مسعود، آواك الله يا شيخ مسعود، أبدلك الله داراً خير من هذه الدار، وجمعنا وإياك عند حوض نبيه عليه الصلاة والسلام، وأطال الله بعمرك يا ابي، على صحة وعافية وحسن عمل وإسلام.

راجياً الله عز وجل أن يستجيب الدعاء، ويجمع كلمة المسلمين في التاسع من ذي الحجة، يوم عرفة، لعام 1447 الموافق 26\05\2026 ميلادي

وكل عام وأنتم بخير

محمدرضا بن محمدعدنان بن عمر كاتبي