جامع النور | وشيخ فخري السيد ←
كانت أيام الصيف تمر ببطء علي بغير عادتها لدى الكثير من أولاد جيلي، فقد أخذني أبي إلى أحد أولاد عمه وقاله له هذا رياض يريد أن يتعلم الكار - على الرغم من أنني لم أقل شيء و الله لكن كما العادة أبي يعرف مصلحتي أكثر مني - منذ ذلك اليوم وفي معمل النجارة عند أولاد عم أبي بدأت أتعلم كل شيء إلا كار النجارة.
فقد كنت المسؤول الثاني عن لم النشارة وتعبئتها في أكياس الخيش حيث كانت تباع للمداجن لفرشها تحت الدجاج، بالمناسبة فيما بعد صرت سعيداً بتعبئة النشارة حيث أن ثمنها كان يوزع علينا نحن الأجارة (أول ورتبة في السلم الوظيفي عند النجار)، والمسؤول الثاني أيضاً عن لم الحطب وتعبئته لكن لم أكن يوماً سعيداً بذلك فقد كان يوزع على بيوت أصحاب المعمل ليوقدو به المدافئ والحمامات في الشتاء، وقد كنت أيضاً المسؤول الثاني عن فرز البراغي والمسامير كل فئة مع بعضها ليتم إعادة استخدامها أثناء التصنيع.
لقد كنت دائماً المسؤول الثاني حيث أنه دائماً ما كان هناك من يمارس علي دور الصانع وهو الدرجة الثانية في السلم الوظيفي عند النجارين.
لقد كان يومي ممتلأ حقاً، حيث كنت أستيقظ يومياً على الساعة الخامسة فجراً، اسحب نفسي من الفراش واسرع إلى أي شيء أستطيع أن أكله بسرعة من ما تبقى في المطبخ من وجبة البارحة، فإذا كان أبي موجود صاح علي هل صليت الفجر 🙂 (غفر الله لي ولكم) عندها اسرع إلى صلاة الفجر ركعتين سريعتين كما كل شيء في يومي، لأنطلق مسرعاً إلى المعمل، حيث يبدأ يوم العمل عند الساعة السادسة فجراً، ولا ينتهي إلا عند الساعة الرابعة عصراً، أعود للمنزل لأكول أي شيء في المطبخ وأرى أخوتي وجدي رحمه الله، فقد كنت دائماً أساعده أثناء خروجه للجلوس مع عمي رحمه الله، ثم أنام باكراً حتى أعاود نفس اليوم
قرر أبي في زحمة أيام الصيف تلك أنني لا أستغل وقتي جيداً، ففي عصر يوم جمعة صيفي قال لي ولأخي البسا ملابسكما سأخذكما إلى جلسة الجمعة في جامع النور عند الشيخ فخري السيد رحمه الله، هناك ستلتزما مع الشيخ صافي غشيم أطال الله عمره.
لبست يومها ملابسي وأنا مثقلاً بواجب آخر علي الالتزام به، لكن لم يكن لي من الرأي شيء، بدأنا بالمسير من بيتنا في بستان القصر باتجاه جامع زيد بن حارثة كان يومها قيد الإنشاء ولم يكتمل بعد، ما كنت أحلم بالوصول إليه إلا مرافقاً لجدتي رحمها الله فقد كانت تأخذني معها لأقطف لها أوراق الخبيزة، ثم من هناك انطلقنا يميناً على رصيف البستان كنت أقول في نفسي فرحاً وأخيراً الآن استطيع أن انزل للبستان للعب حتى لو كان في كل أسبوع مرة، لكن حديث النفس ذاك كان كل مرة يقطع بقول أبي وتذكيره لنا كم أن الالتزام عند الشيخ واتباع توجيهاته يسير بنا على الطريق السوي في الدنيا ثم يخلص بنا إلى الجنة في الأخرة بإذن الله، وصلنا حتى مدينة الألعاب الكهربائية كان هذا أخر مكان قد وصلت إليه يوما، ثم انعطف أبي باتجاه الزبدية حتى وصلنا سكة القطار، قلت لنفسي يومها سألعب على السكة في الأيام المقبلة قبل أن يقطع حديث نفسي ذاك قول أبي إياكم أن تلعبوا على سكة القطار هنا قد توفى ابن عمتكم وهو مازال شاباً، كتمت حديث نفسي يومها وأخذنا طلع الزبدية وأبي ينبهنا إلى التزام الأدب، ودقة الاستماع، وشدة الانتباه إلى ما سيمليه علينا الشيخ.
وصلنا إلى طلعة حادة في شارع ضيق، يقع في منتصف تلك الطلعة جامع النور، كان مسجداً متوسط القدم في ذلك الوقت، مبني بحجر سوري أصفر، تقع في زاويته مأذنة قصيرة نسبياً، تتدلى عرائش الياسمين منه خارجاً على الرصيف، كان وصولنا قبل أذان المغرب بقليل، قال أبي لنا انتظرا هنا ودخل هو إلى غرفة الإمام وانتظرنا قليلاً حتى خرج رجل مربوع القامة، الى الطول أقرب، حليق الرأس له قبعة بيضاء، على عينيه نظارة سوداء تنم عن طول قراءة وتعب، له ملامح يعرفها كل من نظر إلى رجل تقي، يدخل القلب مباشرة ويفرض الاحترام دون النطق بالكلام، ترى لحيته البيضاء الكثة، وتجاعيد خطها طول الزمن على وجهه، ويلبس ثوب أبيض قد كمّل بياض وجهه وقبعته ولحيته.
السلام عليكم يا عمر: قال الشيخ فخري، رد أخي وقال أنا عامر، تبسم وقال نعم، إذا وأنت رياض قلت له نعم وأنا أحاول أن اقبل يده، قال لأبي متى سوف يحضرون اليوم أم غداً؟ فأجابه هؤلاء الشباب سيحضرون بين المغرب والعشاء من يوم الجمعة، فأجابه إذا عند الشيخ صافي غشيم أطال الله عمره، هز أبي رأسه بالموافقة
وبدأنا حضور الجلسات كل يوم جمعة، وكنت أتحين صلاة المغرب لعلي أراه، وقد كان كلما رأني سلم علي بقوله أهلا يا أبو عدنان، ثم كان بعض الأيام يأتينا إلى الدرس ومعه الحلوى أو بعد الكتب كهدايا على الطلاب
لم يكن الشيخ فخري السيد رجلاً ينسى بسهولة، لقد كان له سمات من يقع بالنفس موقع الاحترام ومحبة دون تكليف
رحم الله شيخنا الشيخ فخري السيد، فقد كانت تلك قصة تعرفي به، وأطال الله بعمرك يا أبي ويا شيخ صافي على صحة وعافية وحسن عمل وإسلام.
رحمك الله يا شيخ فخري، آواك الله يا شيخ فخري، أبدلك الله داراً خير من هذه الدار، وجمعنا وإياك عند حوض نبيه عليه الصلاة والسلام
راجياً الله عز وجل أن يستجيب الدعاء، ويجمع كلمة المسلمين في السابع عشر من محرم، لعام 1448 الموافق 13\07\2026 ميلادي